د.بشارة بحبح الوسيط الأمريكى غير الرسمى باتفاق السلام بغزة : مصر بقيادة السيسى لعبت دورًا محوريًا ومتوازنًا فى حل أزمة غزة
أحمد قنديل
فى لحظة سياسية فارقة، وبعد انعقاد أول جلسة لما يُعرف بـ«مجلس السلام» فى واشنطن، تتجه الأنظار إلى طبيعة هذا الكيان الجديد، وأهدافه الحقيقية، ومدى قدرته على إحداث تطورات فى ملف إعادة إعمار قطاع غزة، وسط تعقيدات ميدانية وتأخر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ.
وفى حوار خاص لـ«روزاليوسف»، كشف الدكتور بشارة بحبح الوسيط الأمريكى غير الرسمى فى اتفاق السلام بغزة، رؤيته لتوازنات المجلس، وحدود استقلاله، ودور الولايات المتحدة داخله، كما سلط الضوء على الدور المصرى المحورى، حيث أشاد بحكمة القيادة السياسية المصرية، وجهود جهاز المخابرات العامة فى إدارة واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية.. وإلى نص الحوار
■ الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى تعاملت مع ملف غزة بحكمة وهدوء استراتيجى.. كيف ترى ذلك؟
- مصر لعبت دورًا محوريًا ومتوازنًا منذ اندلاع الأزمة، فالقاهرة أدارت الملف الفلسطينى بحكمة شديدة، وبتوازن دقيق بين الأطراف كافة، وهو ما عكس خبرة سياسية عميقة فى التعامل مع أزمات إقليمية شديدة التعقيد، علاوة على أن موقف مصر الرافض لتهجير الفلسطينيين كان واضحًا وحاسمًا، وكان هذا الموقف التاريخى هو السبب فى الحفاظ على ثوابت الأمن القومى العربى، ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض وتصفية القضية.
كما جاءت تحركات القيادة السياسية المصرية بقيادة الرئيس السيسى مدروسة، سواء فى الاتصالات الإقليمية أو التنسيق مع القوى الدولية، بما يحفظ الحقوق الفلسطينية ويمنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
■ المخابرات العامة المصرية كانت حجر الزاوية فى وقف التصعيد.. حدثنا عن دورها فى حل تلك الأزمة وكيف تعاملت بحكمة وهدوء للوصول لاتفاق وقف إطلاق النار؟
- أولا علينا أن نشيد بالدور الفاعل لجهاز المخابرات العامة المصرية فى إدارة المفاوضات غير المباشرة، حيث إن الجهاز كان لاعبًا أساسيًا فى تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، علاوة على أن الجهد الاستخباراتى المصرى كان عنصرًا حاسمًا فى تقريب وجهات النظر، ووقف المجازر فى غزة، وفتح قنوات اتصال فعّالة بين مختلف الأطراف، كما أن هذا الدور يعكس ثقة الأطراف الإقليمية والدولية فى القاهرة، باعتبارها وسيطًا موثوقًا يمتلك أدوات التأثير والتواصل.
■ مجلس السلام».. هل هو إطار تشاورى أم كيان بديل؟
- مجلس السلام ليس بديلاً عن الأمم المتحدة، بل إطار تشاورى تقوده الولايات المتحدة، ويهدف أساسًا إلى حشد التمويل لإعادة إعمار غزة، علاوة على أن 26 دولة بخلاف الولايات المتحدة انضمت إلى المجلس حتى الآن، معظمها من الدول العربية والإسلامية، بينما تغيب قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب تحفظات أوروبية لأسباب سياسية ودستورية.. لكن القضية ليست فى عدد الدول المشاركة، بل فى القدرة الفعلية على التنفيذ، ويبقى السؤال الحقيقى: هل سيتم جمع الأموال؟ وهل ستُمنح التسهيلات اللازمة لإعادة الإعمار؟.
■ الولايات المتحدة هى العنصر الحاسم فى نجاح المجلس.. هل هى قادرة على فرض ما ينتج عن المجلس على دولة الاحتلال الإسرائيلى؟
- نجاح المجلس مرتبط بمدى استعداد الولايات المتحدة لممارسة ضغط حقيقى على إسرائيل.. واشنطن هى التى أنشأت المجلس، وهى صاحبة النفوذ الأكبر داخله، إذا استخدمت هذا النفوذ لدفع إسرائيل نحو تسهيل إعادة الإعمار، سينجح المجلس، أما إذا غاب الضغط، فسيصبح مجرد إطار سياسى إضافى، فواشنطن وحدها تملك أدوات التأثير القادرة على منع عرقلة دخول مواد البناء، والبيوت الجاهزة، والوقود، والمساعدات الإنسانية.
■ هناك من يسعى لربط إعادة الإعمار بشروط سياسية لكن الواقع الإنسانى يؤكد ضرورة الإسراع بعملية الإعمار.. ما رؤيتك لتلك المشكلة؟
- إعادة الإعمار بشروط سياسية مسبقة، مثل نزع السلاح، يفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة أن سكان غزة يعيشون فى أوضاع مأساوية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، ما يجعل تحسين الوضع الإنسانى أولوية منفصلة عن المسارات السياسية طويلة الأمد.. خاصة أن السلام لا يمكن أن يُبنى والناس تعيش بلا مأوى أو مرافق أساسية، فتحسين حياة المواطنين هو الضمان الحقيقى للاستقرار.
■ كيف ترى تأخر المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ؟
- التأخر فى تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق تجاوز الإطار المقبول، خاصة أن الانتقال للمرحلة التالية كان يفترض أن يتم فور استكمال الالتزامات الأساسية، علاوة على أن أى وقف لإطلاق النار لا يصاحبه تحسن ملموس فى الظروف المعيشية يظل هشًا وقابلًا للانهيار.
■ هل مجلس السلام خطوة نحو السلام أم إدارة للأزمة؟
- هناك رؤيتان محتملتان..الأولى: أن المجلس يمثل محاولة لإدارة الأزمة وتقليل حدتها، الثانية: إنه قد يشكل مدخلًا تدريجيًا لمسار سياسى أوسع، إذا نجح فى فرض وقائع إيجابية على الأرض، فضلًا عن أن القناعة الشعبية، عربيًا ودوليًا، لن تتحقق بالتصريحات، وإنما بالنتائج الفعلية.. فالمصداقية تُبنى بالفعل لا بالبيانات.
■ كيف ترى الدور المصرى فى حفظ التوازن بالمنطقة وحماية القضية؟
- مصر تمثل العمق العربى الاستراتيجى للقضية الفلسطينية، وحضورها فى كل تفاصيل المشهد يعكس ثقلها التاريخى والسياسى.. علاوة على أن التنسيق المصرى مع الأطراف العربية والإسلامية، إلى جانب تواصلها مع القوى الدولية، أسهم فى منع تفاقم الأزمة، وفتح نافذة حقيقية لإعادة الإعمار.
ويبقى نجاح مجلس السلام فى واشنطن، مرهونًا بترجمة التعهدات إلى خطوات عملية، وبقدرة القوى الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على إزالة العقبات أمام إعادة إعمار غزة، لكن فى هذا المشهد المعقد، يبرز الدور المصرى بقيادته السياسية الحكيمة، وأجهزته الوطنية، كركيزة أساسية فى تثبيت التهدئة، ودفع مسار الاستقرار، والحفاظ على الثوابت العربية.






